asma825
18-10-2006, 01:33 PM
من مزايا شهر رمضان ، بالإضافة إلى أنه شهر القرآن ، فإنه كذلك شهر الجهاد في سبيل الله من أجل إعلاء كلمة الحق، وشهر الانتصارات التي أكرم الله بها عباده المؤمنين الصادقين، فكان فيه: غزوة بدر الكبرى ، وهو أول لقاء بين أهل الحق وحزب الباطل، ، أو كما سماه الله سبحانه " يوم الفرقان " ، فقد كانت غزوة بدر الفيصل بين حالين للمسلمين فى المدينة المنورة ، حالة الضعف والكمون للمجتمع المسلم الناشىء ولكنه كان فى طور النمو و البناء لإقامة الدولة الإسلامية على أنقاض الكفر والشرك فى الأرض ، وحالة بلوغ الرشد وبدء المواجهة مع الباطل .
لم تكن غزوة بدر " معركة غنائم " ، وإن كان هدفها الأصلى كذلك ، ولكنها كانت "معركة عقيدة وإيمان " لأنها كانت ثمرة البناء النبوى للمجتمع المسلم والذى بدأ مع أول يوم وطئت فيه قدما رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض المدينة المنورة ، ذلك البناء النفسى والروحى الذى تتابع فيه التشريع الإلهى يبنى هذا الدين رويدا رويدا فى نفوس أتياعه باستكمال فرائضه وتعاليمه قبل الإذن بالقتال :
1ــ الصلاة : وقد فرضت الخمس صلوات ليلة الإسراء والمعراج وكانت ركعتين ، ولكن بعد الهجرة زيد فى صلاة الحضر ركعتينكما قالت عائشة رضى الله عنها :" فرضت الصلاة ركعتين ثم هاجر رسول الله ففرضت أربعا " .
2ــ الأذان : وقد أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ بوقا للنداء للصلاة ولكنه كره ذلك للتشبه باليهود ، ثم أمر بالناقوس ليضرب للصلاة حتى رأى عبدالله بن زيد بن ثعلبه رضى الله عنه فى منامه عن الأذان فأخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بإلقائها على بلال فأذن بها .
3ــ تحويل القبلة : وذلك فى السنة الثانية من الهجرة بعد أن صلى السلمون إلى بيت المقدس .
4ــ صوم رمضان : وقد فرض فى سعبان فى السنة الثانية من الهجرة
كان هذا جزءا من الناء الروحى للمسلمين فى مجتمعهم الجدبد وقدسبقه بناء اجتماعى أرساه الرسول صلى الله عليه وسلم منذ الأيام الأولى لوصوله إلى المدينة امهاجرا من مكة :
1ــ بناء المسجد : بناه الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون بأيديهممن اللبن والجريد وجذوع النخل مكان مربد لسهل وسهيل ابنى عمرو من بنى النجار ، وقد اشتراه الرسول منهم وأبى أن يقبله كهبة منهم .
وهذا المسجد ربط المسلمين بربهم وبنبيهم وببعضهم البعض لأنهم كانوا يلتقون فيه خمس مرات فى اليوم والليلة وكان ذلك مقياسا لإيمانهم وانضباطهم .
2ــ المؤاخاة : وقد آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين الهاجرين ، الذين تركوا المال والأهل والولد فى مكة ، وبين الأنصار الذين أحسنوا الرفادة والنصرة لإخوانهم فى الدين ، فتسابقوا فى تقديم كل مايستطيعون. حتى أن أحدهم له المال والزوجتان فيعرض على أخيه الهاجر شطر ماله وإحدى زوجتيه ، حتى ظن بعض المهاجرين أن هذا الكرم الأنصارى ينقص من أجور هجرتهم فسشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" لا ، ما أثنيتم عليهم ودعوتم لهم " ، وقد ظلت هذه الأخوة بين المهاجرين ولأنصار حتى بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم .
3ــ وثيقة التنظيم السسياسى والاجتماعى: وقد ذكرها ابن هشام فى سيرته ، وهى كتاب كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين فيه واجبات وحقوق كل فريق فى المجتع المدنى من مسلمين وغير مسلمين .
وفى هذا المجتمع الجديد عاش " القائد " صلى الله عليه وسلم يبنى النفوس ، ولم يميز بين أفراده لمكانة سياسية أو اقتصادية ، كما لم يتميز عن أفراده ــ كونه رسول الله ــ بشىء :
آثر أصحابه على نفسه ، وجاع كما جاعوا وخلق ثوبه كما بليت ثيابهم ، وعاد مرضاهم ، وشيع موتاهم ، وأكل معهم ، وفرح لفرحهم ، وحزن لحزنهم ، وواسى مصابهم ، وعفى عن مسيئهم ، ودعا لهم وبين لهم بالحب والحنان أخطاءهم وبين لهم الحكم الشرعى فى كل شاردة وواردة فى حياتهم بالحكمة والموعظة الحسنة ، وعاش بينهم حتى أن الغريب لم يستطع تمييزه عنهم ، فاستطاع بذلك أن يبنى فى نفوسهم الولاء لله ولرسوله وللجماعة المسلمة والبراء مما سواهم ، وهو ما يسمى بالمصطلح الإجتماعى " الوطنية " فأثبت صلى الله عليه وسلم أن " "الوطنية تغرس ولا تدرس " ، تغرس بالقيادة الصالحة المؤمنة التى تعيش فى مجتمعها تشعر بشعوره وتتحسس مواطن الخلل التى تفكك أواصره وتعالجها بالحكمة واللين ، ترفق بأبنائه وتحنو عليهم وهذه مواصفات القائد الناجح ، ومتى فصل الحاكم نفسه عن واقع أمته فلن يشعر أفراد المجتمع بالولاء له فتعم الأنانية وايثار الذات فيصبح من السهل اختراق هذا المجتمع من قبل أعدائه ، . وهذا هو الفرق بين " القيادة " والرئاسة "
قال تعالى :" ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك " ( آل عمران ــ 159 )
لقد كان من نتائج هذا البناء النبوى لمجتمع المدينة أن إفراز مجتمع مسلم بينت صفاته الآيات الأولى من سورة الأتفال : " أنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا وعلى ربهم يتوكلون ، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ، أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم " ( الأنفال ، 2ــ 5 ) .
وهذا هو الفريق الذى الذى يصلح لخلافة الإرض وبسط شرعة الله فيها .
ما قبل غزوة بدر :
سبق غزوة بدر عدة غارات على عير قريش التجارية إلى الشام قام بها رسول الله وأصحابه (من الهاجرين فقط دون الأنصار ) مقابل ما أخذته قريش من أموال المسلمين وأملاكهم التى تركوها فى مكة ، فهى غارات استرداد حق اغتصب لاغارات سلب ونهب " لجماعة من قطاع الطرق يقودها محمد " كما كتب بعض المستشرقين ومن سار على دربهم للنيل من الإسلام ونبيه ، وهذا يؤكده غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم لمقتل عمرو الحضرمى على يد عبدالله بن جحش فى إحدى هذه الغارات .
غزوة بدر :
وقعت يوم الجمعة السابع عشر من رمضان فى السنة الثانية من الهجرة ، وسببها قدوم قافلة تجارية لقريش من الشام محملة بأموال قريش بقيادة أبى سفيان فعلم رسول الله صلى عليه وسلم والمسلمون بذلك ، فندب رسول الله أصحابه ليستولوا عليها . قال ابن مروة عن أبى أيوب رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها ( يغنمكم إياها ) . فخرج المسلمون على عجل
ــ ومنهم من تثاقل لأنه رأى أن الخروج من أجل العير لا يحتاج إلى العدد الكبير ، وكان معهم فرسان وسبعون بعيرا تناوبوا ركوبها كل ثلاثة على بعير وتناوب رسول الله الركوب مع على بن أبى طالب ومرثد بن أبى مرثد الغنوى .
وعلم أبوسفيان بالأمرفاتخذ طريق الساحل ونجا بالقافلة ولكن الخبر وصل إلى قريش قبله فجمعت جموعها لتلقين المسلمين فى المدينة درسا رغم علمها بسلامة القافلة وقال أبو جهل : "والله لننزلن بدرا ونقيم فيها ثلاثا ننحر الجزور وننقر الدفوف ونشرب الخمر وتغنى القيان ولاتزال العرب تهابنا "، وأيقن الرسول بتبدل الموقف وأن المواجهة أصبحت أمرا لابد منه فاستشار أصحابه :" ماترون فى قتال القوم ؟ " فكره بعضهم ذلك لعدم الإستعداد للقتال ولأن الخروج كان أصلا من أجل القافلة ، وفى هذا أنزل الله تعالى :" يجادلونك فى الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون " ( الأنفال ــ 6 )
إن معركة بدر كانت تدبيرا إلهيا لرفع الروح المعنوية للمجتمع السلم الناشىء وكسر شوكة الكفر ، فالمعركة من بدايتها إلى نهايتها ( كما يقول صاحب الظلال رحمه الله تعالى ) كانت تدار بأمر الله ومشيئته وتدبيره ، وأحداثها ليست محددة بالزمان والمكان وإنما هى كتاب مفتوح يستلهم منه المسلمون الدروس والعبر فى كل زمان وكل مكان ، فالعبرة ليست بالعدد والعدة فقد كان عدد المسلمين ثلاث مئة وأربعة عشر رجلا وسبعين بعيرا وفرسين مفابل مايقارب الألف مشرك وسبعمائة بعير ومائة فرس بكامل الإستعداد للمعركة .
إنه فرق كبير بالمقاييس العسكرية للقوة ، ولكن يبقى سلاح الإيمان غوفق كل سلاح مادى وهو الذى وصل المسلمين يومئذ بربهم تعالى فتغيرت موازين القوة لصالح المسلمين :
ــ فاستجاب لهم عند طلب المدد منه :" أنى ممدكم بألف من اللائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله " (الأنفال ــ 9 ) وقد قاتلت الملائكة مع المسلمين يوم بدر فقط بأمر الله وتوجيهه :
" إذ يوحى ربك للملائكة أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا ، سألقى فى قلوب الذين كفروا ارعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان " ( الأنفال ــ 12 ) .
ــ ثم أنزل عليهم النعاس ليلة المعركة تقوية لهم على القتال وإشعارا منه تعالى بالأمن لأن النعاس من مظاهر الأمن والطمأنينة ، فال على رضى الله عنه :" لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا متيقظ إلا رسول الله تحت شجرة يناجى ربه "
ــ ثم أنزل عليهم المطر ليطهرهم به من النجاسات التى وجد فيها الشيطان فرصة للوسوسة من أنهم يزعمون أنهم أولياء الله وليس عندم ماء يتطهرون به ( لم يكن قد رخص لهم بالتيمم يومئذ ) كما مهد لهم الأرض الرملية :
" إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب رجس الشيطان وليربط على قلوبكم وليثبت به الأقدام " ( الأنفال ــ 11)
ـ ولما التحم القتال، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعًا يديه يسأل الله النصر وما وعده، وأُمِر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأخذ من الحصى كفاً فرماهم بها وقال": شاهت الوجوه، اللهم ارعب قلوبهم وزلزل أقدامهم " فانهزم أعداء الله لا يلوون على شيء وألقوا دروعهم، والمسلمون يقتلون ويأسرون وما بقي منهم أحد إلا امتلأ وجهه وعيناه ما يدري أين وجهته والملائكة يقتلونهم " ومارميت إذ رميت ولكن الله رمى " ( الأنفال ــ 17 )
الحنكة والمرونة القيادية للرسول صلى الله عليه وسلم :
ــ وقد بدأت بتناوب الرسول الركوب على البعير مع صاحبيه ولم يميز نفسه ــ كونه القائد ــ عن جنوده وفى هذا رفع لمعنوياتهم .
ــ استشارة الصحابة قبل التوجه للمعركة ولم يستبد ــ كونه القائد الأعلى ــ برأيه ، فأجابه كل من أبو بكر وعمر بما يوقع من مصدثلها فى هذا الموقف
وأجابه المقداد بن عمرو ( عن الاجرين ) وسعد بن معاذ (عن الأنصار ) بما طمأن قلبه على وحدة الصف المسلم فى المعركة فى أول اختبار حقيقى له خارج المدينة .
ــ نزل عند مشورة الحباب بن منذر فى تغيير مكان الجيش ليحرم المشركين من ماء بدر ، وهذه صورة لحركية هذا الدين وعدم جمود تعاليمه حسب القاعدة الفقهية :" عند عدم وجود النص فالإجنهاد واجب وبابه مفتوح " .
ـــ إرجاع الحقوق إلى أهلها عنجما طلب من كل منله مظلمة عليه أن يقتص منه ، فيقوم رجل فيقول : أى والذى بعثك بالحق اقتص لى من نفسك ، فيكشف رسول الله له عن بطنه ليقتص منه فيقبل الرجل البطن الشريف ويقول : يارسول الله ليس لى مظلمة وإنما أردت أن يكون آخر العهد بك أن يلامس جلدى جلدك .
إن المشركين ــ ككل الأمم البعيدة عن منهج الله ــاغتمدوا على قوتهم المادية فى العدد والعدة وهدفهم كسر شوكة الإسلام ليبقى دينهم ومبادؤهم سائدة ولكن الله غالب على أمره : "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون " ( الصف ــ 8 )
نتائج المعركة :
ـــ انتصر الإيمان على الشرك والكفر والحق على الباطل وهذم سنة الله قابلة للتكرار عندما تتوفر ظروفها ووجدت الأمة المؤمنة التى تعيش بالإسلام وله .
ــ كان انتصار المسلمين فى بدر حافزا لهم لمزيد من الغزوات والتضحيات لنصرة الإسلام فى الأرض لأنهم استشعروا معية الله تعالى ومدده لهم .
ــ أصبح المسلمون مرهوبى الجانب ويحسب حسابهم من قبل أعدائهم ، فالأمة الضعيفة لاوزن لها فى ميزان الأمم والحق الذى لا تحميه قوة يضيع ، وكما قال الشاعر :
إذا لم تكن ليثا على الأرض أطلسا ==== كثير الأذى بالت عليك الثعالب
وأذى المسلمين هنا مو مقارعة الباطل وتحطيم أصنامه ورموزه
ــ تعليم أبناء المسلمين كشرط فداء لبعض الأسرى ، وهذا يدل على أن الإسلام دين العلم والتعلم ، لا دين كهنوت ودروشة وتصوف وزهد عن عمارة الدنيا .
لم تكن غزوة بدر " معركة غنائم " ، وإن كان هدفها الأصلى كذلك ، ولكنها كانت "معركة عقيدة وإيمان " لأنها كانت ثمرة البناء النبوى للمجتمع المسلم والذى بدأ مع أول يوم وطئت فيه قدما رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض المدينة المنورة ، ذلك البناء النفسى والروحى الذى تتابع فيه التشريع الإلهى يبنى هذا الدين رويدا رويدا فى نفوس أتياعه باستكمال فرائضه وتعاليمه قبل الإذن بالقتال :
1ــ الصلاة : وقد فرضت الخمس صلوات ليلة الإسراء والمعراج وكانت ركعتين ، ولكن بعد الهجرة زيد فى صلاة الحضر ركعتينكما قالت عائشة رضى الله عنها :" فرضت الصلاة ركعتين ثم هاجر رسول الله ففرضت أربعا " .
2ــ الأذان : وقد أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ بوقا للنداء للصلاة ولكنه كره ذلك للتشبه باليهود ، ثم أمر بالناقوس ليضرب للصلاة حتى رأى عبدالله بن زيد بن ثعلبه رضى الله عنه فى منامه عن الأذان فأخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بإلقائها على بلال فأذن بها .
3ــ تحويل القبلة : وذلك فى السنة الثانية من الهجرة بعد أن صلى السلمون إلى بيت المقدس .
4ــ صوم رمضان : وقد فرض فى سعبان فى السنة الثانية من الهجرة
كان هذا جزءا من الناء الروحى للمسلمين فى مجتمعهم الجدبد وقدسبقه بناء اجتماعى أرساه الرسول صلى الله عليه وسلم منذ الأيام الأولى لوصوله إلى المدينة امهاجرا من مكة :
1ــ بناء المسجد : بناه الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون بأيديهممن اللبن والجريد وجذوع النخل مكان مربد لسهل وسهيل ابنى عمرو من بنى النجار ، وقد اشتراه الرسول منهم وأبى أن يقبله كهبة منهم .
وهذا المسجد ربط المسلمين بربهم وبنبيهم وببعضهم البعض لأنهم كانوا يلتقون فيه خمس مرات فى اليوم والليلة وكان ذلك مقياسا لإيمانهم وانضباطهم .
2ــ المؤاخاة : وقد آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين الهاجرين ، الذين تركوا المال والأهل والولد فى مكة ، وبين الأنصار الذين أحسنوا الرفادة والنصرة لإخوانهم فى الدين ، فتسابقوا فى تقديم كل مايستطيعون. حتى أن أحدهم له المال والزوجتان فيعرض على أخيه الهاجر شطر ماله وإحدى زوجتيه ، حتى ظن بعض المهاجرين أن هذا الكرم الأنصارى ينقص من أجور هجرتهم فسشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" لا ، ما أثنيتم عليهم ودعوتم لهم " ، وقد ظلت هذه الأخوة بين المهاجرين ولأنصار حتى بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم .
3ــ وثيقة التنظيم السسياسى والاجتماعى: وقد ذكرها ابن هشام فى سيرته ، وهى كتاب كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين فيه واجبات وحقوق كل فريق فى المجتع المدنى من مسلمين وغير مسلمين .
وفى هذا المجتمع الجديد عاش " القائد " صلى الله عليه وسلم يبنى النفوس ، ولم يميز بين أفراده لمكانة سياسية أو اقتصادية ، كما لم يتميز عن أفراده ــ كونه رسول الله ــ بشىء :
آثر أصحابه على نفسه ، وجاع كما جاعوا وخلق ثوبه كما بليت ثيابهم ، وعاد مرضاهم ، وشيع موتاهم ، وأكل معهم ، وفرح لفرحهم ، وحزن لحزنهم ، وواسى مصابهم ، وعفى عن مسيئهم ، ودعا لهم وبين لهم بالحب والحنان أخطاءهم وبين لهم الحكم الشرعى فى كل شاردة وواردة فى حياتهم بالحكمة والموعظة الحسنة ، وعاش بينهم حتى أن الغريب لم يستطع تمييزه عنهم ، فاستطاع بذلك أن يبنى فى نفوسهم الولاء لله ولرسوله وللجماعة المسلمة والبراء مما سواهم ، وهو ما يسمى بالمصطلح الإجتماعى " الوطنية " فأثبت صلى الله عليه وسلم أن " "الوطنية تغرس ولا تدرس " ، تغرس بالقيادة الصالحة المؤمنة التى تعيش فى مجتمعها تشعر بشعوره وتتحسس مواطن الخلل التى تفكك أواصره وتعالجها بالحكمة واللين ، ترفق بأبنائه وتحنو عليهم وهذه مواصفات القائد الناجح ، ومتى فصل الحاكم نفسه عن واقع أمته فلن يشعر أفراد المجتمع بالولاء له فتعم الأنانية وايثار الذات فيصبح من السهل اختراق هذا المجتمع من قبل أعدائه ، . وهذا هو الفرق بين " القيادة " والرئاسة "
قال تعالى :" ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك " ( آل عمران ــ 159 )
لقد كان من نتائج هذا البناء النبوى لمجتمع المدينة أن إفراز مجتمع مسلم بينت صفاته الآيات الأولى من سورة الأتفال : " أنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا وعلى ربهم يتوكلون ، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ، أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم " ( الأنفال ، 2ــ 5 ) .
وهذا هو الفريق الذى الذى يصلح لخلافة الإرض وبسط شرعة الله فيها .
ما قبل غزوة بدر :
سبق غزوة بدر عدة غارات على عير قريش التجارية إلى الشام قام بها رسول الله وأصحابه (من الهاجرين فقط دون الأنصار ) مقابل ما أخذته قريش من أموال المسلمين وأملاكهم التى تركوها فى مكة ، فهى غارات استرداد حق اغتصب لاغارات سلب ونهب " لجماعة من قطاع الطرق يقودها محمد " كما كتب بعض المستشرقين ومن سار على دربهم للنيل من الإسلام ونبيه ، وهذا يؤكده غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم لمقتل عمرو الحضرمى على يد عبدالله بن جحش فى إحدى هذه الغارات .
غزوة بدر :
وقعت يوم الجمعة السابع عشر من رمضان فى السنة الثانية من الهجرة ، وسببها قدوم قافلة تجارية لقريش من الشام محملة بأموال قريش بقيادة أبى سفيان فعلم رسول الله صلى عليه وسلم والمسلمون بذلك ، فندب رسول الله أصحابه ليستولوا عليها . قال ابن مروة عن أبى أيوب رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها ( يغنمكم إياها ) . فخرج المسلمون على عجل
ــ ومنهم من تثاقل لأنه رأى أن الخروج من أجل العير لا يحتاج إلى العدد الكبير ، وكان معهم فرسان وسبعون بعيرا تناوبوا ركوبها كل ثلاثة على بعير وتناوب رسول الله الركوب مع على بن أبى طالب ومرثد بن أبى مرثد الغنوى .
وعلم أبوسفيان بالأمرفاتخذ طريق الساحل ونجا بالقافلة ولكن الخبر وصل إلى قريش قبله فجمعت جموعها لتلقين المسلمين فى المدينة درسا رغم علمها بسلامة القافلة وقال أبو جهل : "والله لننزلن بدرا ونقيم فيها ثلاثا ننحر الجزور وننقر الدفوف ونشرب الخمر وتغنى القيان ولاتزال العرب تهابنا "، وأيقن الرسول بتبدل الموقف وأن المواجهة أصبحت أمرا لابد منه فاستشار أصحابه :" ماترون فى قتال القوم ؟ " فكره بعضهم ذلك لعدم الإستعداد للقتال ولأن الخروج كان أصلا من أجل القافلة ، وفى هذا أنزل الله تعالى :" يجادلونك فى الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون " ( الأنفال ــ 6 )
إن معركة بدر كانت تدبيرا إلهيا لرفع الروح المعنوية للمجتمع السلم الناشىء وكسر شوكة الكفر ، فالمعركة من بدايتها إلى نهايتها ( كما يقول صاحب الظلال رحمه الله تعالى ) كانت تدار بأمر الله ومشيئته وتدبيره ، وأحداثها ليست محددة بالزمان والمكان وإنما هى كتاب مفتوح يستلهم منه المسلمون الدروس والعبر فى كل زمان وكل مكان ، فالعبرة ليست بالعدد والعدة فقد كان عدد المسلمين ثلاث مئة وأربعة عشر رجلا وسبعين بعيرا وفرسين مفابل مايقارب الألف مشرك وسبعمائة بعير ومائة فرس بكامل الإستعداد للمعركة .
إنه فرق كبير بالمقاييس العسكرية للقوة ، ولكن يبقى سلاح الإيمان غوفق كل سلاح مادى وهو الذى وصل المسلمين يومئذ بربهم تعالى فتغيرت موازين القوة لصالح المسلمين :
ــ فاستجاب لهم عند طلب المدد منه :" أنى ممدكم بألف من اللائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله " (الأنفال ــ 9 ) وقد قاتلت الملائكة مع المسلمين يوم بدر فقط بأمر الله وتوجيهه :
" إذ يوحى ربك للملائكة أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا ، سألقى فى قلوب الذين كفروا ارعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان " ( الأنفال ــ 12 ) .
ــ ثم أنزل عليهم النعاس ليلة المعركة تقوية لهم على القتال وإشعارا منه تعالى بالأمن لأن النعاس من مظاهر الأمن والطمأنينة ، فال على رضى الله عنه :" لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا متيقظ إلا رسول الله تحت شجرة يناجى ربه "
ــ ثم أنزل عليهم المطر ليطهرهم به من النجاسات التى وجد فيها الشيطان فرصة للوسوسة من أنهم يزعمون أنهم أولياء الله وليس عندم ماء يتطهرون به ( لم يكن قد رخص لهم بالتيمم يومئذ ) كما مهد لهم الأرض الرملية :
" إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب رجس الشيطان وليربط على قلوبكم وليثبت به الأقدام " ( الأنفال ــ 11)
ـ ولما التحم القتال، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعًا يديه يسأل الله النصر وما وعده، وأُمِر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأخذ من الحصى كفاً فرماهم بها وقال": شاهت الوجوه، اللهم ارعب قلوبهم وزلزل أقدامهم " فانهزم أعداء الله لا يلوون على شيء وألقوا دروعهم، والمسلمون يقتلون ويأسرون وما بقي منهم أحد إلا امتلأ وجهه وعيناه ما يدري أين وجهته والملائكة يقتلونهم " ومارميت إذ رميت ولكن الله رمى " ( الأنفال ــ 17 )
الحنكة والمرونة القيادية للرسول صلى الله عليه وسلم :
ــ وقد بدأت بتناوب الرسول الركوب على البعير مع صاحبيه ولم يميز نفسه ــ كونه القائد ــ عن جنوده وفى هذا رفع لمعنوياتهم .
ــ استشارة الصحابة قبل التوجه للمعركة ولم يستبد ــ كونه القائد الأعلى ــ برأيه ، فأجابه كل من أبو بكر وعمر بما يوقع من مصدثلها فى هذا الموقف
وأجابه المقداد بن عمرو ( عن الاجرين ) وسعد بن معاذ (عن الأنصار ) بما طمأن قلبه على وحدة الصف المسلم فى المعركة فى أول اختبار حقيقى له خارج المدينة .
ــ نزل عند مشورة الحباب بن منذر فى تغيير مكان الجيش ليحرم المشركين من ماء بدر ، وهذه صورة لحركية هذا الدين وعدم جمود تعاليمه حسب القاعدة الفقهية :" عند عدم وجود النص فالإجنهاد واجب وبابه مفتوح " .
ـــ إرجاع الحقوق إلى أهلها عنجما طلب من كل منله مظلمة عليه أن يقتص منه ، فيقوم رجل فيقول : أى والذى بعثك بالحق اقتص لى من نفسك ، فيكشف رسول الله له عن بطنه ليقتص منه فيقبل الرجل البطن الشريف ويقول : يارسول الله ليس لى مظلمة وإنما أردت أن يكون آخر العهد بك أن يلامس جلدى جلدك .
إن المشركين ــ ككل الأمم البعيدة عن منهج الله ــاغتمدوا على قوتهم المادية فى العدد والعدة وهدفهم كسر شوكة الإسلام ليبقى دينهم ومبادؤهم سائدة ولكن الله غالب على أمره : "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون " ( الصف ــ 8 )
نتائج المعركة :
ـــ انتصر الإيمان على الشرك والكفر والحق على الباطل وهذم سنة الله قابلة للتكرار عندما تتوفر ظروفها ووجدت الأمة المؤمنة التى تعيش بالإسلام وله .
ــ كان انتصار المسلمين فى بدر حافزا لهم لمزيد من الغزوات والتضحيات لنصرة الإسلام فى الأرض لأنهم استشعروا معية الله تعالى ومدده لهم .
ــ أصبح المسلمون مرهوبى الجانب ويحسب حسابهم من قبل أعدائهم ، فالأمة الضعيفة لاوزن لها فى ميزان الأمم والحق الذى لا تحميه قوة يضيع ، وكما قال الشاعر :
إذا لم تكن ليثا على الأرض أطلسا ==== كثير الأذى بالت عليك الثعالب
وأذى المسلمين هنا مو مقارعة الباطل وتحطيم أصنامه ورموزه
ــ تعليم أبناء المسلمين كشرط فداء لبعض الأسرى ، وهذا يدل على أن الإسلام دين العلم والتعلم ، لا دين كهنوت ودروشة وتصوف وزهد عن عمارة الدنيا .